أبو الليث السمرقندي
17
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لبابة بن عبد المنذر ، حين أشار إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم سعد ، وأشار إلى حلقه إنه الذبح « 1 » . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما حاصر بني قريظة من بعد انصرافهم من الخندق ، ووقف بباب الحصن وفيه ستمائة رجل من اليهود ، وقد كانوا ظاهروا قريشا على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فناداهم : « يا إخوة القردة والخنازير ، انزلوا على حكم اللّه ورسوله » . فقالت اليهود : يا محمد ، ما كنت فحّاشا قبل هذا . فبعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا لبابة بن عبد المنذر ، فدخل على اليهود فركنوا إليه وقالوا : يا أبا لبابة ، أتأمرنا بالنزول إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فأشار بيده إلى حلقه ، يعني : إنه الذبح إن نزلتم إليه « 2 » . فقال أبو لبابة : والذي نفسي بيده ، ما زالت قدماي من مكاني ، حتى علمت أني قد خنت اللّه ورسوله ، وأوثق نفسه إلى سارية المسجد ، حتى أنزل اللّه تعالى توبته ونزل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ . وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ، يعني : لا تخونوا أماناتكم . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها خيانة . قال محمد بن إسحاق : لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يعني : لا تظهروا له من الحق ما يرضى عنكم ثم تخالفوه في السر ، فإن ذلك هلاكا لأنفسكم وخيانة لأماناتكم . ثم قال عز وجل : وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، يعني : بلاء عليكم ، لأن أبا لبابة إنما ناصحهم من أجل ماله وولده الذي كان عند بني قريظة . وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يعني : الجنة لمن صبر ولم يخن . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ، يعني : إن تطيعوا اللّه ولا تعصوه ، يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ؛ يعني : يجعل لكم مخرجا ونجاة ونصرا في الدنيا - ويقال : المخرج من الشبهات . وقال مجاهد : مخرجا في الدنيا والآخرة « 3 » - . وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، يقول : يمحو عنكم ذنوبكم ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ؛ يعني : يستر ذنوبكم وعيوبكم . وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، يعني : ذو الكرم والتجاوز عن عباده . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 30 ] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 ) قوله تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ؛ وذلك أن نفرا من قريش اجتمعوا في دار الندوة . وكانت قريش إذا اجتمعوا للمشورة والتدبير كانوا يجتمعون في تلك الدار ، فاجتمعوا فيها وأغلقوا الباب لكيلا يدخل رجل من بني هاشم ، ليمكروا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويحتالوا في أمره .
--> ( 1 ) عزاه السيوطي 4 / 48 إلى ابن جرير وإلى عبد حميد عن الكلبي . ( 2 ) عزاه السيوطي إلى ابن جرير ، وإلى ابن مردويه عن عكرمة . ( 3 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « ب » .